درس في التاريخ

كثر الحديث عن القرار ١٥٥٩، وهناك من ينظر إلى أنّ هذا القرار الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي عام ٢٠٠٤، هو قرار أميركي - إسرائيلي.

يمكن القول إنّ هناك مصلحة لإسرائيل وأميركا من هذا القرار، ولكن أساس القرار هو مطالبة لبنانية.. للذكرى فإنّ مؤتمر «أوتيل بريستول» في العام نفسه الذي رفع شعار خروج جميع القوات العسكرية من لبنان، كان مطلباً وطنياً، قد يكون المسيحيون هم الأكثر مطالبة ووضوحاً، ولكن أهل السُنّة كانوا أيضاً يطالبون بخروج جميع القوى العسكرية غير اللبنانية من لبنان، وأن يكون السلاح الوحيد هو سلاح الشرعية اللبنانية، المتمثل بالجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.

أحب هنا أن أذكّر بنص شهادة العماد ميشال عون أمام الكونغرس الأميركي بتاريخ ٢٠٠٣/٩/١٧ وشكره على مبادرته بقانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان، وسوف أعيد نشر تلك الرسالة التي لعبت دوراً أساسياً في التأسيس للقرار 1559.

نعود إلى القرار 1559 الذي صدر في صيف 2004، وأتذكر أنّ سفيرة لبنان في الأمم المتحدة اليوم السيدة أمل مدللي كانت في ذلك الوقت مستشارة إعلامية للشهيد الرئيس رفيق الحريري، إذ ذهبت إلى الرئيس الشهيد في سردينيا، وقالت للسيدة نازك إنها تصر على لقاء الرئيس لتعلمه بموضوع مهم، قالت السيدة نازك إنه يرتاح ويده مكسورة ويفضّل أن لا نوقظه. أصرّت الزميلة أمل على إبلاغه بقرار خطير جداً، ودخلت إلى غرفة الرئيس وأعلمته بأنّ زملاءها في الأمم المتحدة، أعلموها أنّ قراراً سيصدر، وسيجبر القوات الأجنبية في لبنان على الخروج.

بعد سماع كلام الزميلة توجّه الرئيس فوراً إلى دمشق، واجتمع في الليلة نفسها مع الرئيس بشار وأعلمه بالقرار، فكانت ردّة فعل الرئيس سيّئة، واتهم الرئيس الأسد الرئيس الحريري بأنه وراء هذا القرار. حاول الرئيس الحريري أن يشرح للرئيس الأسد أنّ هناك مجموعة من العوامل تقف وراء هذا القرار، أهمها أميركا والجهة اللبنانية، وأبرز هؤلاء، ميشال عون وكلامه أمام الكونغرس. فاستغل الأميركيون الوضع. خلاصة الحديث قال الأسد للحريري بعد أن حمّله المسؤولية: «يلي طلع الحمار على المئذنة ينزله».

ترك الحريري الأسد وعاد إلى باريس حيث التقى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وطلب منه أن يبذل جهداً في استثناء المادة (7) من القرار 1559 والتي تجيز استعمال القوة في التنفيذ.وفعلاً استطاع الرئيس الفرنسي إقناع الرئيس الأميركي بحذف المادة (7) من القرار.

عندما صدر القرار قامت الدنيا ولم تقعد، وصرّح نائب الرئيس السوري فاروق الشرع: إن هذا القرار «تافه» وأنّ هناك الآلاف من القرارات التي اتخذها مجلس الأمن الدولي ضد إسرائيل، لم تنفذ.

لم يمر أكثر من أربعة أشهر على صدور القرار حتى صرّح نائب الرئيس السوري فاروق الشرع بأنّ سوريا دخلت إلى لبنان بطلب من الحكومة اللبنانية، وهي مستعدة للخروج من لبنان عندما تطلب الحكومة اللبنانية منها ذلك.اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في 14 شباط 2005، ووجهت أصابع الإتهام إلى سوريا وإيران وجماعاتهما في لبنان بتنفيذ العملية.صدر عن الأمم المتحدة الطلب بتحديد شهر نيسان لخروج القوات السورية من لبنان، وفعلاً في 26 نيسان خرجت القوات وأعلن الرئيس الأسد الإنسحاب من لبنان.

باختصار، القرار 1559 صدر لأنّ أكثرية الشعب اللبناني تريد الحرية والاستقلال، واللبنانيون يريدون أن لا يكون هناك سلاح غير سلاح الشرعية في وطنهم.

عوني الكعكي

ADSPACE